الشيخ محمد إسحاق الفياض
496
المباحث الأصولية
وليس بامكانه الحكم بتقديم المظنونات على المشكوكات والموهومات مطلقاً . وأما المقدمة الرابعة : وهي عدم جريان الأصول المؤمنة في أطراف العلم الاجمالي في المقام ، ونقصد بالأصول المؤمنة في المسألة إصالة البراءة العقلية ، وأما اصالة البراءة الشرعية فحيث ان مدركها الروايات ، فلهذا لا تكون حجة من جهة عدم حجية الروايات كما هو المفروض في محل البحث ، وكذلك الحال في استصحاب عدم التكليف ، وأما الآيات فقد تقدم أنها لا تدل على حجية أصالة البراءة الشرعية ، وعلى هذا فالأصل المؤمن في المقام منحصر باصالة البراءة العقلية ، وهل يمكن التمسك بها أو لا ؟ والجواب انه لا يمكن لوجوه : الوجه الأول : اجماع الطائفة ، إذ لا يحتمل في حق أي فقيه ان يفتي بجواز الرجوع إلى أصالة البراءة في جميع المسأئل الفقهية من البداية إلى النهاية . الوجه الثاني : ان الرجوع إلى أصالة البراءة في أبواب الفقه كافة ، يوجب الخروج من الدين ، وقد قيل في وجه ذلك ان جريانها عن جميع الأحكام الالزامية في تمام المسائل الفقهية مع العلم الوجداني بمخالفته للواقع تكذيب للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، لأنا نعلم بجعل مجموعة كبيرة من هذه الأحكام الإلزامية في الشريعة المقدسة ، واجراء البراءة عن جعلها كافة لا محالة يكون تكذيباً لرسالة الرسول صلى الله عليه وآله . ولكن هذا القيل خاطئ جداً ومبني على الخلط بين نفي الاحكام المشكوكة في أطراف العلم الاجمالي بتمام مراتبها ظاهراً وبين نفيها واقعاً ، فعلى الأول لا يكون تكذيباً لرسالة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، فإن هذا النفي لا ينافي ثبوتها واقعاً ، وعلى الثاني يكون تكذيباً لها ، ولكن مفاد أصالة البراءة هو الأول دون الثاني ، فمن يقول بها في المقام ، كان يعترف بثبوت الأحكام الشرعية في الواقع ، ولكن لا يجب